السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

128

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

لعملهم ، ثم إن أحد ملوكهم مرض فنذر زيادة سبعة أيام إن شفاه اللّه ، فشفي ، ثم كان ملك آخر فأكمله ثلاثة أيام فصار خمسين يوما ، ثم خففوه على أنفسهم بالاقتصار على عدم أكل كل ذي روح ، وهم يصومونه الآن على هذه الصورة في موسم الربيع ، وقد تواترت الآثار على أن الصيام متعبد فيه من لدن آدم عليه السلام ولم تخل أمة منه ، فهو عبادة قديمة لم يخل زمن منها البتة . والعبادة إذا عمت سهلت ، وإذا خصت شقّت . وكان قبل الإسلام من كل شهر ثلاثة أيام ويسمونها الليالي البيض الثالث والرابع والخامس عشر من كل شهر ، وسميت بيضا لكمال البدر فيها ، وبالنظر لما ورد فيها من الأخبار فإن بعض الناس وخاصة النساء يصومونها الآن ، وكذلك اليوم العاشر من المحرّم الحرام المسمى عاشوراء ، روى البخاري ومسلم عن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال : قال لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ( أي النكاح ) فليتزوج فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ( أي خصاء ) لأن الوجيء رخي الخصيتين ودقهما ، ولما كان هذا الصيام الذي كتبه اللّه تعالى مبهما بينه بقوله عز قوله « أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ » أي أنه أكثر ممّا كان قبل متعارفا من صيام أيام البيض وعاشوراء ، ولما كانت هذه الأيام أيضا مهمة لأنها غير محصورة فإنها تحتاج إلى التوضيح والتحديد ، لأن لفظ أياما يحتمل يومين فأكثر لأن الأمم الماضية كانت تصوم أياما معلومات من أشهر مخصوصة كالمحرم ورجب وذي الحجة ، وصيام موسى عليه السلام كان إتمام شهر ذي القعدة وعشر من ذي الحجة فقد بينه بالآية التالية لهذه وشرع يبين الرخصة فيه فقال « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ » يشق عليه فيها الصيام فاضطر لما رأى من الكلفة في حضر أو سفر إلى الفطر « فَعِدَّةٌ » أي عليه صوم مقدار عدة الأيام التي أفطرها « مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » بعد شفائه من مرضه أو عودته من سفره « وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ » يكلفون بصومه فيرون فيه كلفة زائدة لكبر أو عجز ولا يتمكنون من القضاء ، لأن كل أيامهم هكذا بخلاف المرض غير المزمن والسفر المنقطع إذ يتمكنون فيما بعدها من قضاء ما أفطروه بالشفاء والإقامة ، أما الذين لا شفاء لهم كالزمنى والمرضى